لنْ تواجهَ هذا الموقفَ إلا أمامَ كلماتِ القرآنِ الكريم، تَجِدُ نفسَك مُعلَّقا بينَ الرَّفضِ والقَبول، راغباً هياباً باحثاً عن أصغرِ أخطائِك وعيوبِك، مُدركا أنَّ كلامَ العزيزِ الحكيمِ قد لا يسمحُ لك بعبورِ بوابةِ الأطهارِ الصالحين، الذين يستحقونَ مكافأةَ الغوصِ في معانيه والتقاطِ إشاراتِه. إذْ هو مرآةٌ صادقةٌ تُقيمُ حجَّتَك على نفسك، تكشفُ سوءتك فتردُك إلى المكانِ الذي جئتَ منه؛ صخبِ الدنيا وزيفِها وغرورِها، أو تباركُك فتهبُك بعضا من أسرارِ كنوزِها، بحَسَب صلاحِك وجودةِ قريحتِك. شأنُ القرآنِ ليسَ كشأنِ الدنيا، الحالُ مَعَهُ يختلفُ كثيرا؛ دُنيانا دارُ زَيْفٍ وباطل، تُدنيك فتنفخُ فيك غرورَها وكبرياءَها، تَهَبُكَ ما شئتَ منَ انسيابِ الأفكار ومرونةِ الحرفِ بينَ يديك، حتى إذا وَقَعْتَ في شَرَكِها وتلاشَتْ نفخةُ الباطلِ التي ارتكزتَ عليها وعدتَ إلى حساب نفسِك، تمنيتَ لو أنَّها لم تفتحْ لك بابَها، ولمْ تعرفْ يوما زيفَها وبُهتانَها.
هذا رمضانُ –شهرُ القرآن- قد انقضى أكثرُه، وما زلتُ مُعلَّقا أنتظرُ عفوَك وغفرانَك يا من إليهِ الأمرُ كلُّه. قد ساقَني إلى كتابِك شوقٌ وإخلاص، ورغبةٌ بالفرارِ من نَفْسي إليك. فإلامَ تبقى الأبوابُ مغلقةً والعبدُ مُلقىً على قارعةِ الطريق؟؟ ربِّ قد أبَحْتُ لنفسي الولوجَ قليلاً إلى قُدْسِ كلماتك، فشاقَني ما سمعتُ، ومَلَكَ فؤادي ما يَقِفُ أمامَهُ حائرا شوقُ المؤمنِ ودهشةُ الفيلسوفِ وظمأُ البليغِ إلى ما يُطْرِبُ الوجدانَ حَلاوةً وطلاوة. خُذْني إلى كِتابِك من أيِّ طريقٍ شئتَ، وَقِفْني معَ المُعجزِ من دَوْحِه، فأنتَ المتفضلُ بالإنعام... والوقوفُ بينِ يدي الكريمِ نَجاةٌ لا محالة....
أذْهَلَتْني (ص) يا ربَّ العِزَّة، وتصاغرتُ أمامَها حتى تلاشَتْ نَفْسي وسالَتْ عيني، وكدتُّ -أسوةً بأبي الطيب- بماءِ دمعِيَ أَشْرَقُ. فإنْ شئتَ ليَ الكلامَ عن بعضِها ووفقتَني فيهِ كنتُ أسيرَ المُتَجدِّدِ من جودِك وإحسانِك فوقَ ما أسلفتَ قَبلا وبعدا من جودٍ وإحسان. وإنْ خَرَجَ كلامي باهتا وحَرْفي كَليلا، فبذنوبي وتقصيرِ نفسي ورداءةِ مَسلكي، وما لي إلا رَجاءُ رَحمتِك، وطلبُ العذرِ ممَّنْ يقرأُ هذه الكلمات....
سورة (ص) بيان يعانق شغاف القلوب
أيُّ تكثيفٍ في السورةِ الجليلة!! وأيُّ تعانقٍ بينَ اللفظِ والمعنى!! حتى أنَّ في كلِّ آيةٍ منها عالما مكتملاً من الألفاظ الرشيقة، النفاذةِ إلى الصميمِ والغاية. فالعبارةُ في (ص) على غايةٍ من التوازنِ وقوةِ الأداءِ، والتسلسلُ في الكلامِ أخَاذ، يَصِلُ أوّلَ السورةِ بآخِرِها، فيجعلُها نقطةً وبحرا؛ أي انفجاراً بيانياً هائلاً، يُذكِّرُنا بالانفجارِ الكونيِّ الأول، حيثُ خَرَجَ الكونُ بكلِّ إعجازِه من رَحَمِ ذرّة. ولاعَجَبَ في ذلكَ مادامُ المُبدِعُ واحداً في الحالتين. ففي (ص) يحدُثُ الشيءُ نفسُهُ، وتُحْبَسُ الأنفاسُ بَدءاً من " ص والقرآنِ ذي الذِّكر" حتى بلوغِ "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبأَهُ بعدَ حين"، فتخالُ الزمانَ قد توقَفَ، فأصبحَ لحظةً مُتناهيةً في الصِغَر، خرجْتَ منها –قارئاً أو مُستمعاً- بما لو أنفَقْتَ عُمرَك كلَّه في تذوقِهِ وتَدبُّرِهِ، لما كفى العمرُ بساعاتِهِ وأيامِه.
التكثيفُ في السورةِ يخدِّمُ غرضَها ويتوافقُ مع بُنيانِها الذي هو مجموعةٌ من القصصِ القصيرةِ تتخللُها عبرٌ واستنتاجات. فمن الحديثِ عن موقفِ كُفّارِ مكَّةَ، إلى قصةِ داوودَ عليهِ السلام، إلى قصةِ سليمانَ، إلى قصةِ أيوبَ، إلى لمحةٍ موجزةٍ عن مجموعةٍ أُخرى من الرسلِ والأنبياء، إلى مشاهدِ الآخرةِ والجنةِ والنارِ في قالبٍ حواريٍّ يُبرزُ بوضوحٍ تناقضَ الموقفين، إلى ذكرِ القصةِ التي هي أمُّ القصصِ جميعِها، وجوهرُ تكليفِ الإنسانِ واختبارِه؛ قصةِ إبليسَ وعدمِ إطاعتِهِ أمرَ السجود، وعهدِهِ بحربِ بني آدمَ حتى قيامِ الساعة....
أمّا الجَرَسُ الموسيقيُّ فَقَضيةٌ أُخرى، عباراتٌ متوسطةُ الطولِ، مُنتَهيةٌ في غالبِ الأحيانِ بحرفٍ ساكنٍ من حروفِ القلقلة، ممّا يجعلُ الوقوفَ على نهايةِ الآياتِ وقوفاً قلقاً في ظاهرِه، غيرَ أنّهُ باعثٌ على الاستمرارِ ومتابعةِ التلاوة. وكأنَّ كلَّ آيةٍ قد اشتاقَتْ إلى أختِها فلم تهدأْ حتى وُصِلَتْ بها ضمنَ سلسلةٍ لا تنقطعُ حتى تصلَ إلى مُرادِها. فأنتَ هُنا أمامَ نوعينِ من الاشتياقِ والتعلقِ: اشتياقِ الكلامِ إلى بعضِهِ، واشتياقِك أنت إلى التتمةِ لما في أسلوبِ السردِ من روعةٍ وجمال. ألمْ نَقُلْ أنَّ هذهِ الآياتِ تختصرُ الزمنَ وتنتصرُ عليهِ بروعةِ اتصالِها وجمالِ قلبِها وقالبِها. ثُمَّ إنَّ الوقوفَ على حروفِ القلقلةِ –صوتياً- فعلٌ يشبهُ الانفجارَ، فكأنَّ السورةَ كلَّها شهابٌ سائرٌ في الفضاءِ، انبثَقَتْ منهُ مجموعةٌ من الشُهُبِ الصغيرةِ، التي تُطْلِقُ دويّاً مُستمراً؛ فصوتُها الجرسُ والعبارة،ُ ونورُها دقةُ المعنى وعمقُ الخِطاب. فإذا مَضى الجزءُ الأكبرُ من السورةِ وكِدنا نَصِلُ الختام، هَدأَ الجرسُ وعُدنا إلى عباراتٍ أقصرَ من السابقةِ مختومةً بالمدِّ العارضِ للسكون، وفي هذا التقاطٌ للأنفاسِ بعدَ وجبةٍ فكريةٍ وبيانيةٍ دسمة، وفسحةٌٌ للعقلِ كي يربطَ أولَ السورةِ بآخرِها، وتهيئةٌ لانطلاقٍ جديدٍ في كلامٍ قادم، ووقوفٌ مع النهايةِ التي هي في حقيقتِها عودةٌ إلى البدايةِ، بدايةِ الخلقِ وبدايةِ السورة....
انظروا إلى روعةِ الوصفِ ودقةِ العبارةِ وجمالِ الجرسِ في المقطعِ التالي من السورة:
{ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } * { جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } * { مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } * { وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ } * { هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } * { إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } { هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ } * { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } * { هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } * { وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } * { هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ }.
الحديثُ عن محورِ السورةِ في الجزءِ الثاني إن شاءَ الله....
الصفحة 1 من 1

المساعدة 










